Google+ Followers

الاثنين، 16 سبتمبر، 2013

  نص مقتبس من الكلمة الترحيبية للسيد : عبد الكريم بن محمد رئيس قسم اللغة والأدب العربي جامعة محمد البشير الإبراهيمي، بمناسبة افتتاح أشغال الملتقى الوطني الأول حول آثار العلامة محمد البشير الإبراهيمي،بتاريخ 22 ماي 2012 .

 " ....... أرحب بكم أجمل ترحيب في ملتقاكم هذا،ملتقى العلامة محمّد البشير الإبراهيمي الذّي ينظمه قسم اللغة والأدب العربي. وإنّها لمناسبة طيّبة أنّ تتضافر الجهود في أعمال هذا الملتقى الطيّب، لنغترف جميعا من فكر العلامة وأدبه؛ في زمن أوشكت الأوطان الإسلامية والعربية أنّ تفقد هويتها، وتفارقها خصائصها الذاتية المميزة، وتاهت في بيداء الضياع و الشتات الفكري و السراب الحضاري،وداهمتها عوامل الضعف والاهتراء. استوعب كل العالم الدّرس، وبقيت حال هذا الأمّة كدار لقمان. في مثل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها أمتنا،أليس من الفريضة والواجب أنّ نحتمي بعظماء فكرها و أدبها،ونستهدي بهم في رحلة البحث عن الهوية الحضارية لنستأنف دورة أمّة الشهادة والقيادة.
  من هذا المنظور ارتأى قسم اللغة والأدب العربي بجامعة محمد البشير الإبراهيمي، أنّ يجعل أعمال العلامة محمد البشير الإبراهيمي واحة ملتقانا هذا، يلتقي فيه العلماء و البحاثة و طلاب العلم و المعرفة. والسؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا و نحن بصدد التعرض لفكر العلامّة و أدبه هو:"كيف نقرأ أدب محمد البشير ؟" "ولماذا هذه القراءة ؟"
   لقد نال أدب الإبراهيمي حظا وافرا من الدّراسة و البحث و التحليل في الجامعات العربية مشرقا ومغربا على حدِّ سواء. لكن أغلب هذه الدراسات لم تكد تبرح عتبة الوصف والتصنيف، فضعف فيها الواصف و الموصوف، إذ اكتفت في أغلبها بوصف أدب العلامة بالصنعة اللفظية وغرابة اللغة، و تصنيف منتجه في خانة الأدباء الإصلاحيين المحافظين التقليديين. إنّ هذا النوع من القراءة الجامدة و النّقد العتيق لم يعد يرقى إلى مستوى تطلعات النّخبة المثقفة في بلادنا العربية في الوقت الراهن. ومن ثم صار لزاما  تجديد آليات القراءة بما يتماشى وروح عصرنا، في ضوء المعطيات البحثية الجديدة المرتبطة بمختلف الحقول المعرفية المتحاقلة.
القراءة الجديدة التي ننشدها، هي تلك القراءة الموضوعية ،لا بالمفهوم الضيق ، إنّما هي سؤال الذات للذات  أي قراءة هذا الأدب من الداخل، قراءة لا تلغي التجرد من الذاكرة والهوية و القيم والعواطف والأحاسيس. فالإلـغاء هنا تطرف وأمر مستحيل.إذ لا يمكننا في مجال العلوم الإنسانية،أنّ نقوم ببحث علـمي مجرد بدون أنّ يكون هناك دافع إيديولوجي. وهذا الدافع بنبغي علينا أنّ نعيه و أنّ نتصرّف على ضوئه بوعي لأنّ المعلومة    في مثل هذه الميادين البحثية بصفة عامة،قد لا تقول شيئا،بل إنّها قد تخفي في أحشائها الكثير من الرؤى           و الانتماءات الإيديولوجية والفلسفية والمعرفية المتحيزة، على حد تعبير عبد الوهاب المسيري.بحيث لا يمكن لأحد الإدعاء التجرد من الهاجس الإيديولوجي، فهو حاضر فينا دوما إزاء كل موضوع نتعرض له بالدراسة   و التحليل.
إلاّ أنّ البحث في عالم النّصوص التي أبدعها العلامّة محمّد البشير، بالضرورة يعني المساءلة في قضية الهوية وخصائصها المميزة لها: بحث في هوية وطن اسمه الجزائر،  هوية وطن أكبر هو العروبة،  هوية الوطن الكبير   هو الإسلام، والوطن الكبار هو الإنسانية. فأدب الإبراهيمي يحمل في ثنايا مضامينه، مورثات الشخصية الوطنية و مقومات الأمّة العربية،و معالم الحضارة الإسلاميّة،و توابل الحضارة الإنسانية.
إنّ أدب الإبراهيمي ليس كغيره من الأدب. إنّه من طراز فريد في تشكله الفكري و اللّغوي، وقوام هذا التشكل قيم أربع:الحق، والخير، و الجمال، و القوة. هذه القيّم هي التي قامت عليها حضارة الأسلاف، وبها سادوا وشادوا الأدب الرفيع، والحضارة السامقة. والقراءة الجديدة التي ننشدها وندعو إليها، تعني استنطاق الخلفيات التاريخية والحضارية والاجتماعية والمعرفية لهذه النصوص؛ وصولا إلى التأمل في العلاقات البنيوية الرابطة بين هذه الخلفيات. والغاية القصوى من كل ذلك، الكشف عن المضمون الاجتماعي أو المعرفي أو الإنساني لها، دونما إهدار لنصية هذه النصوص وخصوصيتها. و بما أنّ أدب الإبراهيمي يمارس نوعا من الإبـاء و التمنع على القارئ، فهو لا يبوح بمضامينه إلاّ إذا قرئ في ضوء لحظات متقاطعة ثلاث:
اللحظة الأولى : إعادة قراءته بصفته منتوجا ضمن مشروع حضاري نهضوي، أملته ظروف الصراع الحضاري الدائر بين حضارة غائبة، تقع خارج التاريخ ،وحضارة تصنع التاريخ. وبتعبير مالك بن نبي أدب أنتج في ظروف الصراع الفكري بين عالمين: عالم مستعمَر وعالم مستعمِر.
اللحظة الثانية : إعادة قراءته من خلال ربطه بالسياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، الذي ارتبط به.
اللحظة الثالثة : إعادة قراءته في ضوء ما آلت إليه مختلف العلوم والدراسات المعاصرة، لجعل هذا الأدب معاصرا لنا لنتمكن من استعاده، وتوظيف مضمونه ضمن مشروع حضاري متجدد، يمكن اعتماده في بناء استراتيجية ذاتية للولوج في العولمة من منطق الصراع من داخلها ،من أجل تعديل موازين القوى المتحكمة بها، على حد تعبير برهان غليون.و بذلك وحده نستطيع استعادة دورنا الحضاري نضمن البقاء لأمتنا....
      أملنا في غد مشرق. والغد المشرق من صنع اليوم، فلننظر ما نحن عاملون. و لنعمل سويا بقلوب عامرة بالإيمان بأنّ الخير في هذه الأمة باق مادامت السماوات و الأرض.
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.......



السبت، 3 أغسطس، 2013

أنماط المعرفة النّحويّة



1- طابع الدّراسةالنّحويّة لـدى مدرسة الخليلإنّ أوّل ما نلاحـظه ونحن نستعرض أهمّ المراحل التي مرّت بها الدّراسة النحوية القد يمة امتـزاج وتداخل المستوى النّظري (علم النّحو) بالمستوى التّطبيقي(التّعليمي) للنّحوالعربي وإن كان هذا التداخل فرضته طبيعة ودواعي نشأة النّحوالعربي نفـسه حيث كان هذان المستويان يسيـران جنبا إلى جنب، فكان الأوّل منهما يسعى إلى وضع الأ صول والمـبادئ الصّوريّة للنّظرية النّحويـّة وتـفسيرها بغية فهم الطّابع البنوي للّغة العربيّة. فتجسّدت هذه النّـظرية على شكل قـوانين وقواعد مفسّرة للغة العـربيّة من حيث مستويا تها: الصّوتـيّة، والصرفية، والتّركيبة، والدّلاليّة.    بينما كان المستوى الثّاني، أي المستـوى التّطبيقي يسـعى إلى استغلال هذه القواعد لأغـراض تعليميّة بحتة ليلحـق غيرالعربي بأهل العربيّة في الفصاحة والبـيان.
  وقد كان الخليل بن أحمد الفراهيـدي الغاية في استنباط قواعد النّحو وتفريع مسائله معتمدا في ذلك على القياس والتّعليل، أمّا تلميذه  سيبويه فهو أوّل من ألّف كتابا في النّحو العربي يصل إلينا.هذا الكتاب الذي جمع فيه جهود العلماء الذين سبقوا الخليل وأتباعه في وضع اللبنات الأولى للنّحوالعربي فتضمن التّصوّرالعام للنّظرية اللغويّة للخليل التي تميّزت بالإحاطة والشّمول، ولعل استعمال الخليل والعلماء الذين سبقوه لمصطلح (العربية) يفسر لنا إلى حدّ بعيد هذه النّظرية الشّمولية.(1) ومن هذا المفهـوم الشّامل انطلق سيبويه في تحليل مادة الكتاب بدءا من المستوى التّركيبي فالصّرفي فالصّوتي مع ربط هذه المستويات بالدّلالة وقد  نظّم سيبويه مادة الكتاب تنظيما محكما فجعـل كـتابه  قسمين كبيرين، فخصّص القسم الأوّل للنّحو ومباحثه، بينما أفرد القسـم الثاني للمباحث الصّرفيّة واصلا إليها عن طريق دراسته لكثير من الظّواهرالصّوتيّة بدأ بها باب الإدغام. والمتأمّل في موضوعات (الكتاب) يدرك للوهلة الأولى ذلك التّصوّرالعلمي الدقيق للطبيـعة البنوية للّغة العربية الذي كان يمتلكه سيبويه وأستاذه الخليل الذي كان يٌعرف بعبقرية فذ ة وعقل رياضيّ وقـدرة كبيرة علىالإ بداع والابتكـارظهرت في جميع المستويات اللّغوية التي تعرض لها بالدراسة والتّحليل.وقد جاء ت المادة اللغـوية التي تناولها الكتاب متنوعة شملت أغلب مستويات التحليل للـغة العربية: الصّوتيّة، والصّرفيّة، والتّركيبيّة، والدّلاليّة، ولم تقـصر مفهوم النّحو

على الإعراب ولم تـكن البلاغة مفصولة عن النّحو" ولهذا لم نر سيبويه يحدث شرخا بينهما  فأدرك نظم الكلمات فـراح يشرح العبارات التي حدث فيها تصرّف بلاغي بتوضيح الوجه الذي يستقيم عليه المعنى كما يشرح الأسا ليب الكلامـية بعلل نحويّة وفقهية (1)" وإذا كانت ظاهرة التّعليل من الأسس التي قام عليـها النّحوالعربي وكانت مدار الدّراسة التّحليليّة التي تضمّنها الكـتاب فإنّ هـذا التّعليل لا يعـدوأن يكون تعليلا لغويا بسيطا ومباشرا ومنهجه في ذلك يقوم على ربط التّعليل بالمعنىأو بقوانين التّركيب أوبكثرة الا ستعمال وهو تعليل  بوجه عام لا يخرج عن نطاقه اللّغوي، ويكاد الكتاب أيضا يخلو من تلك التّعريـفات التي أثقلت كاهل القاعـدة النّحوية في كتب النّحاة المتأخرين، فيقـول سيبويه في بـاب الفعل مثلا: "هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعوله وذلك قولك: ضرب عبد اللّه زيدا، فعبد الله ارتفع ههنا كما ارتفع في ذهب(2)وهذا دليل على أنّ الفكرالذي صاغ مادة الكتاب فكرعربي محض يعتمد السليقة العربية الأصيلة الخالية من التعقيد والتفلسف، فالمرجع النهائي في استنباط القـاعدة وتثبيتها هو الاحتكام  للمسموع من كلام العرب، وكان الخليل إذا أراد القياس على مسأ لة أوقياسها علىغيرها نهج نهجا لغويا يستند إلى استعمالات العرب وأساليبهم دون أن يفلسف المسألة  أو يعللها تعليلا عقليا بعيدا عن الواقع اللغوي، وتبعه في منهجه هذا تلميذه سيبويه  فهوالآخر لم يفلسف المسائل اللغوية ولم يتعسف في استنباط الأحكام وكثيرا ما كان يستشهد بما يحفظه من النّصوص التي سمعها عن العرب.(3) وحافظ الفرّاء (ت 207هـ ) على هذا التّصوّر الشّامل والمتكامل  للنّحو العربي في  استقرائه لأساليب العرب، وتعامل مع القيـاس بالطريقة نفسها التي تناولها الخليل " بانيا إيّاه على ما يحسّ به من شبه بين المسألتين أوبين الموضوعين دون أن يتكلـف استنتاجا أويتمحل في استنباط (4)وكان يعتمد في درا سته النّحوية على الربط بين الألفاظ والمعاني؛ أمّا ما عٌرف بمسائل الخلاف بين أعلام البصرة والكوفة فهو خلاف لا يخصّ الأصـول النّظرية للنّحو العربي في حد ذاتها، بل هوخلاف كان نتيجة لمحاولة جادّة لفهم طبيعة النظام البنوي للغة العربية وهو خـلاف يرتبط بكيفية تعامل كلّ فريق مع هـذه الأصول، فإذا كان البصريون

يتمسكون تمسّكا شديـدا بالقاعـدة ولو خالفـت المسموع من كلام العرب ويعتمدون على الشا ئع المطّرد والشّاذ عندهم يٌحفـظ ولا يقاس عليه، فإنّ الكوفيين قد اعتمدوا أساسا على السّماع ولو كـان قليلا أو شـاذا أومخالفا للقاعـدة، ولحرص البصريين على التّمسك والالتـزام بالأ صـول لجأوا إلىالتّقديـر والتّأويل وخاصّة في حالة عدم استجـابة النّصوص المسموعة لها، ولوأ دى ذ لك إلى تشويه هذه النّصوص والتقـوّل بالزيادة فيها فـهم يؤولون– مثلا- قوله تعالى:) إذا السّماءُ انشقّت...( إنّما هو إذا انشقـت السّماءُ انشقت؛ لأنّ أداة الشّـرط لابدّ أن يليها فعل.(1) أمّا الكوفيّون في مثل هذه المسألة يجمعون بين اللّفـظ والمعنى، ومبـدؤهم في ذلك ألاّ  يٌفسد الإعراب المعنى وإلا تجاوز صاحبه كـلام العرب، يقول الفراء: "  وكل مسألة وافق إعرابها معناها، ومعناها إعرابها فهو الصّحيح، وإنّما لحق سيبـويه الغلط لإ نّه حمل كـلام العرب على المعاني وخلّى عن الألفـاظ ، ولم يوجـد في كلا م العرب ولا أشعار الفحول إلا والمعنى فيه مطبق للإعـراب والإعـراب مطبق للمعنى(2)" ويمثل هذا العصر أي عصر الخليل وتلا ميذه من  بصريين وكوفيين ـ الذي  يمتد إلـى غاية أواخرالقرن الثالث الهجـري ـ عصر الإ بداع والتّأ صيل للنّحو العربي، أمّا القـرون التي تلت هذا العهد فهي عالة على ما تركه الخليل وتلاميذه أمـثال سيبويه والفـراء، ويرى الأستـاذ مهدي المخزومي أنّ اللـّغة العربيّة لا تزال تدرس إلى يومنا على تلك الأ سـس التي وضعها العلماء الأ وائل أمثال الخليل والفـراء، وما أضيف إليها لا تعـدو أن تكون سـوى منا قشات لا تفيـد البحث اللّغوي في شـيء(3)أمّا الأسـتاذ حلمي خليل فيقول:  "بـل لعلّي لا أتجاوز الحقيقـة إذا قلت إنّ معظم ما كتب حول العربية صرفيّا ونحويّا من ظهور كـتاب سيبويه وإلى أن اتّصل علماء العربيّة في العصر الحديث بالفكـر اللغـوي الغربي لم يضف شيئا جديـدا إلى هذا الكتـاب أوإلى ما وضعته البصرة من أصـول وقـواعد وما أثارته من قضايـا نحويّة وصرفيّة (4) وهكذا نرى أن هذا العـهد عهد الخليل وتلاميذه كسيبويه والفراء ومن سـارعلى نهجهما كـان تناولـهم للظّـاهرة النّحـويّة تـناولا لصيقـا بالواقـع اللغـوي

مستقرئـا إياه أثـناء استنـباط الأحـكام والضوابـط النّحوية بعيـدا عن روح التّعليل والتّـفلسـف جامعا بين مباني النّحو ومعانيه، ومن ثمّ اتّسمت دراساتهم بالشّمول والإحـاطة التّامّة  فجاءت جامعة بين الجوانب اللّغويّة جميعها صوتية، وصرفية، وتركيبية، ودلاليّـة.
2 - محاولات تأسيسيّة لنحوي تعليمي: تميّزت الدّراسة النّحويّة التي تلت هذا العهد عهد التّأسيس والإ بداع بالجنوح نحوالتّخصّص والتّنوع، وشهدت حركة التّأليف نشاطا متزايدا مسّ أغلب مستويات اللّغة العربـيّة الصّوتية، والصّرفيّة، والتّركيبية، والدّلالية. وانطلاقا من القرن الرّابع الهجريّ بدأت الدّراسات النّحويّة تميل إلى الصّناعة المعقدة وذلك بسسب انبهار أصحابها بالثقافات المتنوّعة الدّخيلة على الثقافة العربيّة(1).وتأثّر الدّرس النّحوي بمصطلحات وأساليب علم الكلام والفلسفة والمنطق وأولع النّحاة بظاهرة التّعليل تحليلا وتفسيرا وأسهبوا في تعاطيهم لمسائل الخلاف بين البصرين والكوفيين حتّى صارت هذه المسائل الخلافية فنّا مقصودا في ذاته والغاية التي تؤمّ، وكأنّها أصبحت تمثل فرعا معرفيا أساسيّا في علم النّحو لا تتمّ  الملكة اللغوية إلا به، وهذا ما دفع كثيرا من نحاة هذا العهد وما تلاه من العهود إلى التّباهي بكثرة تخريجاتهم وروايا تهم الأمثلة والشّواهد الشّاذة والاحتكام إليها وعظم عندهم أمر القياس فصارت كل لغة عندهم حجة يقيسون عليها؛ كلّ ذلك أدى بهم في نها ية المطاف إلى فصل المبنى عن المعنى وفصل النّحو عن البلاغة. فاستحال مفهوم النّحو ووظيفته إلى ضرب من الصّناعة والمهارة في الإ عراب والتّقد ير والتّأويل يقـوم على فلسفة تعليليّة مصطنعة أتت على حيويّة النّحو العربي وعصفت به بعيدا عن الواقـع اللّغوي الذي يستند إلى الاستعمال الفعلي للغة الذي تقتضيه ظروف وملا بسات الخطاب اليوميّ، ومن ثمّ ابتعد الدّرس النّحوي في أحيان كثيرة عن وظيفته الأساسيّة باعتباره كاشفا للنّظام البنوي للغةالعربيّة ومفسّرا لطبيعة عمل هذا النّظام من جهة ووسيلة لاكتساب ملكة لغويّة تواصليّة من جهة أخرى. ثمّ بدأ النّاس يضيقون من مبالغة النّحاة في فلسفة النّحو ومنطقته  كما فعل الرّماني (ت384 هـ) الذي انتقده أبوعلي الفارسي(ت395هـ) وعاب عليه منهجه في تناوله لمسائل النّحو قائلا:" إن كان النّحو ما يقوله الرّماني فليس معنا منه شيء، وإن كان مانقـوله فليس معه منه شيء(2) كما أدرك الجاحظ قبله أنّ النّحو علم واسع ومتشعب وأنّ ما يحـتاج

إليه المتعلم الناشـئ هو الضّروري الذي يعصم لسانه من اللّحن فيقول في إحدى رسائله:    " أمّا النّحو فلا تشغل قلبه منه إلاّ بمقدارما يؤد يه إلى السلا مة من فاحش اللحن(...) ومازاد على ذاك فهو مشغـلة عمّا هو أولى به(1)و تفطن جمهورمن النّـحاة في ذلك العهد إلى النتائج الخطيـرة المترتبة عن ظاهرة التعقيد التي تأخذ بناصية نحو اللـغة العربية ومن ثمّ بدأ التفكير يتجه بجدّية نحو التّأليف في النّحو التّعليمي  تكون وظيفته الأساسـيّة إكساب المتعلم أهمّ المبادئ النّحوية الضّروريّة التي تؤدي بمكتسبها إلى امتلاك ملكة لغويـة تساعده على التعبيرعن أفكاره وعواطفه بلغة سليمة تحريرا ومشافهة "ولسـت مبالغا إذا قلـت إنّ الشّكوى من النّحو ولدت مع التّصنيف فيه وظلّت تنتقل من جيل إلى جيل وترتفع الصيحات مطالـبة بتيسير النّحو التّعليميّ ويدورالجدل بين العلماء المتخصصين فيما يحذف بدعوى أنّه لا حاجة إليه وفيما ينبغي أن يبقى بدعوى أنّه لا يستغنى عنه (2)"وقد كان الباعث الأوّ ل في ذلك تخليـص النّحو مما علق به من فلسفة أبعدت النّحوعن وظيفته الأساسيّة والمتمثلة في انتحاء أساليب العرب.وقد كان خلف الأحمر(ت180هـ) من الأوائل الذين ساهموا في عملية التّأسيس لنحو تعليميّ حيث حاول تبسيط مسائل النّحو للمتعلمين فألّف كتابه (( مقدمة في النّحو)) وذكر الباعث الذي حمله على تأليف هذا الكتاب هو ما لاحظه في كتب النّحو من كثرة العلل والتّطويل وإغفالها حاجة المتعلّم في النّحو فألّف كتابه المذكورّ فمن قرأه وحفظه علم أصول النّحو كلّه فتحصل له ملكة لسانـية نطقا وكتابة " لما رأيت النّحويين وأصحاب العربية أجمعين قد استعملوا التّطويل وكثرة العلل وأغفلـوا ما يحتاج إليه المتعلّم المتبلغ في النّحو من المختصر والطرق العربية والمأخـذ الذي يخـفى على المبتدئ حفظه ويعمل في عقله ويحيـط به فهمه؛ فأمعنـت النّظر في كتاب أؤلـفه، وأجمـع فيه الأصول والأدوات والعوامل على أصول المبتد ئين، ليستغـني به المتعلم عن التّطويـل فعملت هذه الأوراق (...) فمن قرأها وحفظها وناظـرعليها علم أصـول النّحو كلّه مما يُصلـح لسانه في كتاب يكتبه، أو شعر ينشده أو خطبة يلقيها، أورسـالة يؤلفـها (3)" فالنّحو عند خلف الأحمر انطلاقا من الوظيفة التي حدّدهاله من خلال الأسـباب والبواعث التي دفعته إلى تأليـف كتابه ((مقدمـة في النّحو))  لا ينبغي أن يكـون غايـة في ذاته بل هو وسيـلة لإكـساب

المتعلمين ملكة لسانية في اللغة العربيّة تحقّـق لهم مهارة التعبر الكتابي والشّفوي، وهذا الفهم العميق لوظيفة النّحو كان من وراء سعيه إلى وضع قواعد ميسرة خاضعة لجملة من الضوابط والمعايير التربويّة تكون في مستوى المتعلم المبتدئ خاليّة من ظاهرتي التعقيد والتّطويل. وحذا أبو جعفر النحاس (ت338هـ) حذو خلف الأحمر فألّف كتابا مختصرا سمّاه ((التفاحة في النحو)) وألّف الزّجاجي (ت337هـ) كـتاب (( الجمل))  ونحا فيه نحو التبسيط والابتعاد عن التعليل والتطويل يعتمد على الإكثار من الأمثلة والشواهد للوصول إلى تقرير القواعد، وهذا المنهج المعتمد في كتاب الجمل اكتسبه الزّجاجي-كما يشير إلى ذلك أستاذي صالح بلعيد- من تجربته التّعليميّة في مسجد الأمويين في دمشق معلما للنّحو وميسرا له.(1) كما ألف بعده ابن جني ( ت392هـ) كتابه (( اللمع في العربية )) وكانت غاية ابن جني من وراء هذا العمل " أن يضع كتابا في النّحو سهل العبارة واضح الفكرة، حسن التقسيم،  بعيدا عن ذكر أراء العلماء وخلافاتهم مبرأ من الإضافة في العلل وذكر العوامل، فلا يعرض لها إلا بقدر ليلائم حاجة الناشئين والمتعلمين(2)إلاّ أنّ هذه المحاولات وغيرها والتي حاول من خلالها أصحابها التّأسيس لنحو تعليميّ لم تتحقق أهدافـها المرجوة لكونها هي الأخرى لم تسلم من سطوة نظرية العامل التي تقيّدوا بها في مختصراتهم التي جـاءت مبوّ بة ومصنّفة حسب ما تقتضيه هذه النظرية مما جعل اللـغة عبارة عن أجزاء متناثرة لا رابط يجمعها سوى رابط العامل والمعمول، وقد أدى بهم ذلك التّقيد إلى إهمال الجملة كوحدة أساسية في الخطاب وأهملوا معها دور المقام في تأدية المعاني والإبانة عنها. ولذا كان تناولهم للظاهرة النّحوية تناولا تحليليا أكثر منه تركيبيا يتوقف عند حدود اللفظ وأثر العوامل في معمولاتها، ومن ثمّ لم يعطوا الأهمية الكافية للمعاني التركيبية والمباني التي تدل عليها من الأساليب المتنوعة كالاستفهام والنّفي والنّهي والتّوكيد وغيرها؛ مما يحتاجه مستعمل اللغة في حياته اليومية وفي أحوال الخطاب، كما أهملوا  دورالسّياق وأهميته في تحديد المعاني" والمعروف أنّ هذا الجانب التّحليلي من دراسة النّحولايمسّ معنى الجملة في عمومه لا من الناحية الوظيفيّة العامة كالإثبا ت، والنّفي والشّرط، والتّأكيد، والاستفهام، والتمني،...إلخ. ولامن ناحية الدلالة الاجتماعية التي تنبني على اعتبار المقام في تحديد المعنى(3)" كما جاء ت خالية

من كل تكييف تربوي حيث تعتمد الحفـظ وأهملت الاستعمال الفعلي للغة  كما جاءت أمثلتها مصطنعة بعيدة عن واقع المتكلم وحاجياته. وإذا كان علمـاء المعاني حدّدوا موضـوع دراستهم والمتمثل في التراكيب أوالأسـاليـب كالإثـبات والنّفي والنّهي  والأمروالاستفـهام والتّقديـم والتأخير والإطناب وغير ذلك ومـا تحققـه هذه الأساليـب وغيرها من أغراض كلاميّة متنوعة، فإنّ الاعتقـاد الذي كان سائـدا عند النّحاة في ذلك الوقت هو كون مثل هذه الظـواهر الأسلوبـيّة والتركيبيّة خارجـة عن نطاق مجال بحثهم وتخصّصهم، فقـصروا دراسـاتهم واهتمامهم على الجانـب اللفظي (أي المظـهر الخارجي للغة) بالرغم مـن أنّ هذه الظواهر الأسلوبية تـعدّ قمـة الدراسة النّحوية كما يـرى ذلك الأستاذ تـمام حسان.(1)
3- مدرسة المعاني النّحويّة: إذا كان القرن الخامس الهجري  يمثل بداية حقيقية لعهد  الانحطاط الفكري و الثقافي وانحسار النشاط اللغوي المبدع،  وتلا ذلك  زهد  النّاس وانصـرافهم عن النّـحو، كلّ ذلـك كان يمثل تحدّيا كبيرا لصاحب نظرية النّظم العالم اللغوي عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) الذي حاول إنقـاذ النّحو من الحال التي آل إليـها انطلاقا من رؤيته الجديدة للنّحو العربي، هذه الرؤية التي تقـوم على مفهـوم وظيفي بسـطه في كتابه ((دلائـل الإعـجاز)) وهو مفـهوم يتجاوز فيه النّظر إلى أواخـر الكلمات، ولـذا يرى أسـتاذنا صالح بلعيد أنّ هـذا الكـتاب يمثل مرحـلة جديدة في تاريخ الدراسات اللّغوية العربيّة، وهي مرحلة الدّراسة الوظيفية للغـة (2)حيث استطاع الجرجـاني أن يعيد للنّحو شطـره الثاني الذي فصلته الدراسـات النّحوية السابـقة، والمتمثل في المعاني النّحوية كما يسميها، والتي ألحقـت بعلوم البلاغـة باسم (عـلم المعاني) رغم أنّ هذا النّـوع من الدراسة يعتبر أقـرب إلى النّحو منه إلـى البلاغة والأسلوبـيّة " ومن هنا نشأت هذه الفـكرة التي تتردد على الخواطر منذ زمن طويل  أنّ النّحو العربي أحـوج ما يكون إلى أن يدّعي لنفـسه هذا القـسم من أقسام البلاغة الذي يسـمى علم المعاني(3) " ولعلّ عبد القاهـر الجرجاني هـو أوّل من قام بمثل هـذا العمل الجيّد من خـلال وضعه لنّظـرية النّظم وتطبيـقها على نماذج من القـرآن الكـريم وكـلام العرب شـعره ونثـره

وانطـلاقا من هذه النّظرية أعـطى عبد القاهـر الجرجاني للنّحو مفهـوما وظيفــــيا
مؤسسا بذلك اتّجاها جد يدا في الدراسات اللسانية العربية، يقوم على مبدإ الوظيفة باعتباره أهمّ مبدإ تقوم عليه اللغة البشرية، كوسيلة للتبليغ والبيان عن المعاني، وما يترتب عـن ذلك  من ضروررة التقيّد بقوانين النّحو وأصوله، والانضباط بها أثناء عملية حدوث الكلام مراعاة لأحوال الخطاب، وما تتطلبه من تنوع في استخدام الأساليب اللغوية بحسب أغراض المتكلم وحاجة المخاطب إليها  "واعلم أنّ ليس النّظم إلاّ أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخلّ بشيء منها(1)" وهذه الأصول وتلك القوانين هي التي تحدّ د وتضبط العلاقات القائمة بين أجزاء الجملة والمعاني التي يتوخاها المتكلم من خلال ترتيبه لأجزاء الكلام وفق طريقة معلومة معلوم أن ليس النّظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض. والكلم ثلاث: اسم، وفعل، وحرف. وللتعلّق فيما بينها طرق معلومة، وهو لا يعدو ثلاثة أقسام:  تعلّقُ اسم باسم، تعلّق اسم بفعل، وتعلّق حرف بهما(2)" فالتّعلّق الذي هو مدار النّظم ثلاثة أنواع :
1 - تعلق اسم باسم: محمّدُ مسافر.
2 - تعلق اسم بفعل: محمّدُ يسـافر.
- تعلق الحرف بهما وهو على ثلاثة أضـرب:
3 -1توسّطه بين الفعل والاسم: مررت بالمسجدِ.
3  2تعلق الحرف بما يتعلق به العطف:  زرت مصرَوالمغربَ.
3- 3تعلق بمجموع الجملة كتعلق حرف الشّرط والجزاء بما يدخل عليه: إن يتّحدَّ حكام المسلمين يحقّقوا آمال شعوبهم في التّقدّم والازدهار.
     ومفهوم التعلّق(*)عند الجرجاني لايقتصرعلى المفهوم الاصطلاحي لدى جمهور النّحاة  المرتبط بالعلاقة اللفظيّة أو التّقديريّة للجار والمجرور أو الظرف بالفعل أو ما يشبهه، وإنّما يعطيه مفهوما أرحب وأوسع، إذ لا يحصل إلاّ في نظام الجمل؛ ومن ثمّ يربطه بمفهوم الإسناد الذي يربط بين طرفي الجملة لتحقيق الإفادة من خلال تصوّر نـوع من العلاقـات

النّحوية التي تربط بين الأبـواب، كتصورعلاقة الإسناد بين المبتـدإ والخبر أو الفعل وفاعله وعلاقـة التّعدية بين الفعل والمفعول به، إذ لا قيمة ذاتية لعنصر إلاّ بربطه ببقية العناصر داخل التّركيب، وهذا الرّبط يوجبه التّلازم والاستدعاء من أجل أداء المعاني وأغراض الكلام، كاستدعـاء الفعل لفاعله، والمبتدإ للخبر، وحرف الشرط لجملة الشّرط وجوابه، ويمكن أن نجسّد مفهـوم التّعلّق من خلال الترسيمة(1) المألوفة في أساليب تخاطبنا اليّومي المراعي لسمت كـلام العرب وأساليبهم في استعمالهم الفعلي للغة العربيّة:
- فعل + فاعل  =   أقلعت الطّائرةُ.
- فعل     +    فاعل     +      مفعول    =  حضر الطّلابُ المحاضرة.  
- فعل     +     مفعول   +      فاعل      =  حفظ القرآنَ الولدُ.
- مفعول   +     فعل     +      فاعل      =  إيّاك أعني.
- فعل     +   فاعل + مفعول + مفعول    =  أعلم الأستاذ طلبته موعد مناقشة بحوثهم.
- فعل   +    فاعل  +  مفعول  + فضلات =  صافح خالدٌ أخاه فرحا مسرورا.
- مبتدأ   +   خبر    =  الصّدق منجاة.
- خبر  +   مبتدأ    =  في بيتنا ضيفٌٌ
- مبتدأ  +   خبر + فضلات   =  محمّد رسول الله رحمةً للعالمين.
وإذا كان التّكوّن الطبيعيّ للّـغات البشريّة يستدعي عمليّة الإسناد مراعاة لعمليّة التبليغ والتّواصل التي هي الوظيفة الأساسيّة للّغة البشريّة ،فلا يمكن أن تتمّ الفائدة من الكلام مالم تراع العلاقة القائمة بين المسند والمسند إليه لفظا أو تقديرا، والمسند هوالشيء المثبت أوالمنفي أوالمطلوب حصوله، يتمثّل في الفعل/الخبر/(المبتدأ والخبرفي الجملة الاسميّة الثانيّة:الرّبيع جوّه جميل)؛ أمّا المسند إليه فهو اللفـظ المنسوب إلى المسند، ويتمثل في:   الفاعل/ نائب الفاعل/المبتدأ. وهذه العلاقة بين المسند والمسنـد إليه موجودة في أحوال الكلام الملحوظة أوالملفوظة، وما الحذف إلاّ نوع من الإسناد تتطّلبه ضرورة مراعاة المقام فقد يلجأ المتكلم إلى حذف المسنـد أو المسند إليه حسب ما يقتضيه مقام الحديث، فإذا سئلت:     -من جاء؟ تجيب: عمر. فتحذف المسند (جاء) لعلم المخاطب به استنادا إلى السّـياق.وقد
يحذف المسند إليه (عمر) في مثل السؤال التالي: - هل جاء عمر؟ " ومختصر كل الأمـر:  

أنّه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنّه لابدّ من مسند ومسند إليه، وكذلك السبيل في كـــل
حرف رأيته يدخل على جملة، كإنّ وأخواتها؛ ألا ترى أنّك إذا قلت(( كأنّ )) يقتضي مشبها ومشبها به، كقولك: (( كأنّ زيدا الأسـدُ)) وكذلك إذا قلت (( لو )) و(( لولا )) وجدتهما يقتضيان جملتين، تكون الثانية جوابا للأولى(1)فطرق تعلّق الألفاظ بعضها ببعض التي ذكرها الجرجاني والتي تمثل معاني النّحووأحكامـه هي التي كان العرب يتوخونها في كلامهم وفقا للمعاني المرتبة في نفوسهم بطـريقة مخصوصة، والذي يميز بين الأساليب ليس الحركات التي تطال أواخرالكلمات، ولا معرفة الألفاظ في حد ذاتها، وإنّما تميزها المعاني المستفادة من التّراكيب الموضوعة وفق نظام وترتيب دقيق، ومن ثمّ  فمعرفة إعراب الألفاظ المفردة والتّفنّن فيه ليس وحده العمدة في معرفة القواعد النّحوية والتمييز بين المعاني المختلفة، ولكن فيما تؤدي إليه هذه القواعد من دلالة على المعاني التي يقصدها المتكلم "واعلم أنّا لم نوجب المزيّة من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستـند إلى اللغة، ولكنّا أوجبناها للعلم بمواضعها وما ينبغي أن يصنع فيها؛  فليس الفضل للعلم بأن ((الـواو)) للجمع و(( الفاء)) للتّعقيب بغير تراخ و((ثـمّ)) له بشرط التـراخي و(( إن)) لكذا و(( إذا ))  لكذا؛ ولكن لأن يتأتّى لك إذا نظمت وألّفت رسالة، أن تحسـن التخيّر، وأن تعرف لكلّ من ذلك موضعه(2)..." وإدراك عبد القاهر الجرجـاني لأهمـيّة التّركيب ودوره في تحديد وتمييز المعاني مكّنه من الارتقاء بمفـهوم النّحو، بحيث لا يتوقف عند حدود المبنى دون المعنى، بل يشملهما جميعا في إطار مفهوم وظيفيّ واسـع وشامل للّغة، ولذا فالتّركيب اللّغوي عنده يقوم على جملة من العلاقات النّحوية التي تتوّلد عنها المعاني بحضور الارتباط الضروري بين طرفي الإسناد، حيث يتعلق المسـند والمسند إليه بجـملة فعلية، أو اسمية بحسب المعاني التي يتوخاها المتكلّم، ومن ثمّ فإنّ تركيب عناصر الجمـلة تحدّده العلّة الوظيفـيّة والدّلاليّة للتّركيب، وليس الوظيفة القاعدية، وإذا كان الجرجاني أولى اهتـماما لوظيفة الجملة العـربيّة من حيث أنّها الوحدة الأساسيّة في عملية الكـلام وتبلـيغ المعاني فإنّه يربط تلك الوظيـفة بظاهرة التّعلق والتّلازم التي تربط هي الأخرى بين أجزاء الجملة وأطرافـها مما تستدعيه ضـرورة المعنى، بحيث يُقدم من أطراف الجمـلة ماكـان موضع
اهتـمام، ومن ثمّ يصبح هذا العنصر المتقـدم بـؤرة الكلام والمحور الذي يـدور حـوله

الحديـث الذي يراعي فيه المتكلمُ أحـوالَ السّامـع "وههنا نكتة يجب القطع معها بوجـوب
هذا الفرق أبدا، وهي أنّ المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أوّلا، ولا كان الخبر خبرا لأنّه مذكور بعد المبتدأ، بل كان المبتدأ مبتدأ لأنّه مسند إليه ومثبت له المعنى، والخبر خبرا لأنّه مسند ومثبت به المعنى (1)" والذي نفهمه من هذا القول أنّ الجرجاني يولي اهتماما للوظيفة الدّلاليّة، أي المعنى في ضبط القاعدة النّحوية، إذ ليس الجانب اللّفظي أوالشّكلي وحده العمدة في تحديد وصياغة القاعدة النّحوية،  فالمبتدأ لم يسمّ بهذا الاسم لأنه يأتي في صدر الجملة الاسمية، بل لأنّه مسند إليه الخبر، فالعلّة الدّلاليّة هي التي جعلت المبتدأ في الصّدارة        لا الخبر، ولوكان الخبر يمثل بؤرة الكلام ومقصده لتقدّم عن المبتدإ، فالعلّة الدّلالية هي المسؤولة إلى حد بعيد عن ترتيب عناصر الجملة ترتيبا مخصوصا،وهذا ما يفسرلنا كثيرا من الظّواهر اللّغوية والأسلوبية التي تعتري عناصر الجملة من تغييرحسب ما تتطلبه ضرورة مراعاة حال المخاطب وحاجته أثناء الكلام، كالتّقديم والتّأخير، والحذف والتأكيد،...الخ. والجرجاني لم يتوقف عند حدود الجملة باعتبارها وحدة الكلام التي تتفرع منها سلاسل الكلام، وإنّما تحدث أيضا عن أطراف وعـناصر الحدث الكلامي، كالمتكلم (( المُخبِر )) والسامع ((المُخبَر)) والعلاقة التي تربطهما أثناء عملـيّة الاتّصال،إذ " أنّ النّاس إنّما يكلّم بعضهم بعضا ليعرف السّامعُ غرض المتكلم ومقصـوده (2)" ومن هنا نرى أنّ الجرجاني اهتمّ بجوانب في دراسته النّحوية لم يولها النّحاة السابقـون اهتمامهم، حيث استطاع من خلال دراسته للظّواهرالتّركيبيّة للّـغة العربيّة، أن يجمع بين مختلف عناصر الحدث الكلامي مع تأكيده أهميّة ودور السّياق في تأديّة المـعاني، ومن ثمّ استـطاع أن يعثر على الحلقة المفقـودة بين النّحـو والبلاغـة فربط بينهما من جديد، فتجاوز بذلك المفهوم الضّيـق للنّحو، والـذي كان مقصـوراومختـصرا في دائـرة آثـار العامل وعلامـات الإعراب.
4- النّحو التّعليمي في مصنفات نحاة العهود المتأخرة:  إنّ هذا العمل الجيّد  الذي قام بـه الجرجاني، لم يجد من يسير على هـداه ، لأنّ القرن الخامس الهجري الذي شهد ميلاد هذه المحاولة، كان فاصلا بين عهـدين: عهد الازدهار والإبداع، وعهد الانحطاط والتراجع والجمود، بحيث بالغ نحـاته في الاهتمام بمسا ئل الخلاف، وكثرة التعليلات، فتعاطوها جمعا وتصنيفا ومناقشة، وأحيانا زادوا عليـهاعللا جـديدة،  كما شغفوا بمصطلحات الفلا سـفة

والمناطقة، وطرق تحليلهم وتعريفاتهم، فكانت كتبهم مرهقة بكثرة الحــــواشي والشّروح
المطوّلة. فازدادت الشّكوى من النّحو، ووجد من العلماء من يطعن في النّحو العربي من حيث الأصول والمبادئ النّظرية التي بني عليها، فهذا ابن الطّراوة سليمان بن محمد الأندلسي( ت528هـ) يرى أنّ المعنى هو الأساس الذي قام عليه اللّسان العربي، ولا علاقة للمعنى بعلامات الإعراب حيث نقل عنه قوله :" إذا فهم المعنى، فارفع ما شئت، وانصب ما شئت(1)أما ابن مضاء القرطبي أحمد بن عبد الرحمن ( ت 592هـ) فرأى أنّ النّحاة وضعوا صناعة النّحو لحفظ كلام العرب من اللحن إلا أنّهم التزموا مالا يلزمهم، فتشعبت مسالكها ودعا إلى صياغة جديدة للنّحو العربي صياغة تستغني عن نظريّة العامل لأنّ أصل العامل         هوالمتكلم نفسه، كما رفض التّقدير في العوامل، لأنّه يؤدي إلى الزيادة  في كلام القائلين ما لم يلفظوا به من غير دليل، وإذا كان في القرآن الكريم فهو حرام (2) كما رأى ضرورة إلغاء العلل الثواني والثوالث، والاكتفاء بالعلل الأول، لكون " العلل الأول بمعرفتها تحصل لنا المعرفة بالنطق بكلام العرب المدرك منا بالنّظر، والعلل الثواني هي المستغنى عنها في ذلك هي التي لا تفيدنا إلاّ أنّ العرب أمّة حكيمة(3)" وهكذا اعتقد ابن مضاء أنّ إلغاء ظاهرة التّقدير والاستغناء عن العلل الثواني والثوالث كفيل بتذليل صعوبة تعليم النّحو العربي وتيسير قواعده. وإذا كانت محاولة ابن مضاء تعليميّة، فقد توجّهت مباشـرة إلى مناقشة الأصول النّظرية للنّحو العربي قصد الإصلاح والتّيسير، فهناك من النّحاة المعاصرين له أوممن جاءوا
بعده، حاولوا تيسير تعليم النّحو للنّاشئة انطلاقا من هذه الأصول النّظرية دونما مساس بها فجسّدوا محاولاتهم في شكل كتب مختصرة، أو منظومات نحويّة، كما صنع عبد الرحمن بن محمد الأنباري (ت577هـفي كتابه((أسرار العربية))وهو كتاب تعليمي عرضت فيه المادة النّحوية عرضا شاملا وميسرا، وقد  اتّخذ فـيه أسلوبا سهلا وواضحا، أمّا أبو عبد الله جمال الدين محمد بن مالك(672هـ)فقد صنف كتاب الخلاصة (( الألفية )) حيث جمع فيها خلاصة النّحو والتّصريف.وألّف ابن هشام الأنصاري761هـ) كتابيه(( قطر النّدى وبلّ الصدى ))
و(( مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) واعتمد في عـرض مادتيهما أسلوبا تعليميّا سـهلا(4).
وجملة القول إنّ محاولات هؤلاء النّحاة المتأخرين والّتي حاول فيها أصحابـها تيسير تعليم

النّحو للناشـئة، فألفوها على أساس بعض المبادئ التّربويّة كتهذ يب مسائلها وانتقاء موضوعاتـها والتّقليل من التّعليل، فهي الأخرى لم تسلم من العيوب  والنّقائص التي أشرنا إليها عند تعرضـنا لمـحاولات المتقد مين من النّـحاة، كما لم يحاول النّـحاة المتأخرون في مؤلفاتهم التّعليمـيّة الاستـفادة من المحاولات الجادّة التي قـام بها علـماء البلاغة وفي
مقد متهم  عبد القاهرالجرجاني الذي ربط بين مختلف الظـواهر التّركيبية والمعاني النّاشـئة عنها بحسـب الظّروف والأحـوال الخطابية، وما يحـتاجه السامع من الكـلام. وظلّ النّحو التعليميّ  يراوح مكانه يقتات على بقايا أمثلة محنـطة لا رونق فيها ولا حياة تنبعث منها، بعيدا عن واقع الحياة والاستعـمال الفعلي للغة العربـيّة باعتبارها وسيلة الاتّصال والتّخاطب اليومي، مولعا بحفظ الشّاذ من الشّواهد والألغاز النّحوية التي تدور في فلك العامل والمعمـول، وكأنّ هذا الأمـر هو الغاية الأولـى والأخيرة من تعليم النّحو.
5- إشكالية تعليم النّحو في العصرالحديث: ازدادت حدّة الشّكوى من صعوبة تعليم وتعلّم قواعد النّحو في العصر الحد يث، واعترف كثير من النّحويين واللّغويين العرب بأنّ النُظم  التّعليميّة العربيّة فشلت فشلا رهيبا في تدريس اللّغة العربيّة ونحوها، يقول علي جواد الطاهر وهو لغوي ومدرس جامعة لقواعد العربية: " لقد فشلنا في تدريس لغتنا، تلك بد يهة لم يعد الاعتراف بها فضيلة؛ العراق بلد عربي والعربية لغته الرسمية، وهل من شـك؟ ولكنّ درس العربية من أثقل الدروس على الطّلبة، وأنّ (( الواحد )) منـهم ليفضل أن يتعلم كلّ شيء    إلاّ علما اسمه النّحو(1)" وقد دفع هذا الواقع التّعليمي للنّحو بعض اللّغويين إلى التّفكير بجدّيّـة في إعادة النّظر في النّحوالعربيّ وربّما صياغته صياغة جديدة، ومن بين الأوا ئل الذين رفعوا راية التجد يد والتّيسير إبراهيم مصطفى في كتابه(( إحياء النّحو))وشوقي ضيف صاحب كتاب (( تجد يد النّحو)) ومهدي المخزومي من خلال كتابه(( في النّحو العربي نقد وتوجيه )) و(( في النّحو العربي قواعد وتطبيق)) وغيرهم. وقد كان حرص إبراهيم مصطفى حرصا شديدا على المطالبة بإعادة صياغة النّحو العربي صياغة حديثة، تلغى فيها نظريّة العامل وما يتبعها من تقديرات وتأويلات، وضرورة توسيع دائرة النّحو العربي لتشمل التراكيب.(2) أمّا محاولة مهدي المخزومي جسّدها في كتابيه(( في النّحو العربي نقد وتوجيه))
و((في النحو العـربي قواعـد وتطبيق)) حيث يمثل الكتاب الأوّل الأصـول النّظرية لـهذه

المحاولة، أمّا الكـتاب الثاني فجاء تطبيقا لها، ومنطلق الأستاذ إحساسه بأنّ النّحو العربيّ في حاجة ماسّة إلى منهج علميّ فيقول:" لقد أصبحت الحاجة ماسة إلى نحو جديد، خلو مما علق به في تاريخه الطّويل من شوائب ليست منه، مدروس وفق منهج  يلا ئمه، مبرإ من هذه التّعليلات الفلسفيّة التي اصطنعها القوم(1)" والتي أتت على حيويّة هذا الدّرس اللغـوي فعصفت بها، وانتهى الأمر بالنّحو إلى أن صار مصدر برم وضيق.ويذكر الأستاذ هذه الشّوائب التي يريد أن يخلّص النّحو العربي منها فيقول في مقدمة كتابه:" فقد حاولت في هذه الفصول-ما وسعني ذلك-   أن أخلّـص الدّرس النّحوي من سيطرة المنهج الفلسفي عليه،وأن أسلب العامل النّحوي قدرته على العمل(...) وإذا بطلت فكرة العامل بطل كلّ ما كان يبنى عليه من تقديرات متمحلة، لم تكن لتكون لولا التمسّك بها(2)"أمّا الأستاذ شوقي ضيف محقّق كتاب(الردعلى النّحاة)فيرى أنّ التّخلّص من نظريّة العامل هي الأصل الذي يعتمد في تصنيف النّحـو العربي تصنيفا جديدا وتنسيق أبوابه، ودعا إلى إلـغاء الإعـراب التّقديري والمحلي(3) وتبقى هذه المجهودات الفرديّة عبارة عن محاولات ودراسات وتنظيريّة، يختلف أصحابها في اقتراح طرق التّيسيرومبادئه، و"لم تصل هذه المحاولات التّيسيريّة إلى تقديم حلول تطبيقيّة، بل أنّ بعض الباحثين ينظّرون للتيسير،وفي مؤلفاتهم يعودون إلى التّعقيد (4) "وأسهمت المؤسّسات العلميّة العربيّة هي الأخرى في عملية تيسير تعليم قواعد اللّغة العربيّة من خلال الاقتراحات والتّوصيات التي قدّمتها عبر عقود متلاحـقة، ويأتي مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة في مقدمة المجامع العربية الفاعلة في هذا المجال، ومن بين الاقتراحات التي قدّمها في سبيل تيسير تعليم النّحو للناشئة ما يلي(5) :
- جواز صياغة اسم الآلة على وزن فاعلة مثل واصلة كهربائية، وعلى وزن فعول مثل: حاسوب.
- جواز صوغ (مفعلة) من الفعل للدلالة على كثرة وقوعه في مكان ما مثل(مجزرة) .
- جواز اشتقاق من الاسم الجامد،  مثل: هدرج من الهيدروجين، وكبرت من الكبريت.
- جواز رفع المستثنى بـ (إلاّ) بعد كلام مثبت، مثل: نجح التلاميذُ كلُّهم إلاّ عليُّ.

ومن بين القرارات التي اتخذها المجمع لتيسير تعليم النحو ما يلي:
- الاكتـفاء في إعراب الفعل المـضارع المنصوب بـ (أن) المضمرة، بأنّه منصـوب بعد الأدوات الظاهـرة.
- التّخلي عن تقدير العامل في أساليب الإغراء والتحـذير والاختـصاص.
- الإبقاء على الإعراب التقديري والمحلي دون تعليل.
أمّا مجمع اللغة العربية بدمشق فيرى أنّ من وسائل تيسير تعليم النحو ما يلي(1) :
- العناية بالكتاب المدرسي المخصص للنحو تأليفا وطباعة مع شكل كلماته.
- ضرورة اصطناع المعلم العربية الفصيحة أثناء تدريسه.
- لاضرورة من تعليم قواعد لايحتاجـها الطّلاب في قـراءة النّصوص العربية القديـمة منها والحديـثة.
- عدم استبـدال مصطلح بمصـطلح إذا لم يكن في هذا الاستـبدال مزيد من الوضـوح  أو التيسير. 
- ضرورة إشراك رجـال التربية في تيسير النّحـو.
وقد أسهم مجمع اللغة العربيّة في بغـداد في الدعوة إلى تيسير تعليم النّحومن خلال المقترحات التي قدمها إلى ندوة تيسير تعليم اللغة العربية بالجـزائر سنة 1976، ومن بين هذه المقترحـات ما يلي:
- اعتبار القرآن والحد يث الشّـريف والمأثور من كلام الصدر الأوّل أغنى المصادر لاقتـباس الأمثلة والشّـواهد.
- الأخـذ بالسائد اتباعه في القرآن الكريم من قواعد النّحو.
- تيسير قواعد النحو لايمكن جني ثماره، ما لم يقترن بالإكثار من دراسة النّـصوص والمطالعة و ممارسة التعبير الشّفهي والتّحريري.
- الربـط بين النّحو وعلم المـعاني.
- محـاولة الجمع ما أمكن بين المفردات التي تؤدي معنى واحـدا في الجـملة العربيّـة وإن اختلفـت أثرا إعرابيا فيما تدخل عليه كأدوات النّـفي التي تشترك في النّـفي وتختلـف في الأثـر الإعـرابي.

- تفضيل المصطلح  النّحوي الدال على معناه بوضوح على غيره مع المحافظة على الصلة بمصطلحات التراث(1).
ومن بين التّوصيات ـ الخاصّة بتعليم النّحوـ التي خرجت بها ندوة تيسير تعليم اللغة العربية بالجزائر تحت إشراف اتّحاد مجامع اللغوية العلمية العربـيّة سنة 1976، ما نجمله فيما يلي:
- الرّبـط بين علم النّحو ومفهوم  الدلالات.
- الاقتصار في المادة النحوية ما أمكن على ما يستعمله الطلاب في حياتهم.
- الإبقاء على الإعراب التقديري والمحلي دون تعليل، وتراعى قدرة الطالب عند اختيار القواعد.
- ترك دراسة قواعد النحو التي تستعمل في الحالات النادرة كالاشتغال والتنازع .
- الحرص على المصطلحات النّحوية التي عرفت من قبل، كالفاعل والمفعول والمبتدإ والخبر، لأنها أكثر دلالة على معانيها مما اقترح من مصطلـحات .
- العناية بالنطق العربي ودراسة مجملة للأصـوات .
-  ضمّ بعض القـضايا الصّرفـيّة إلى القضايا النّحوية حين يكون هناك ارتباط بينهما  فتدرس أوزان الفعل وما يحدث لها عند الإسـناد إلى الضمائر في باب واحـد.
إنّ أهمّ ما يمكن أن نختم به هذا الفـصل هو القول بأنّ الطّابع العام الذي غلـب على محاولات تيسير تعليم النّحو في التراث القديـم اعتمادها على المفهوم الضيّق للنّحو الذي  لا يتعدى النّـظر في ما يخلّفه العامل من آثار تطال أواخـر معمولاته،  ومن ثمّ النّظر إلى اللـغة نظرة إفراديّة؛ فأدّى ذلك إلى غلبة الجانـب النّظري على تلك المحاولات بحيث كانت تتناول اللغة وهي معزولة عن واقع استعمالها الفعلي، وهكذا لم يستـطع أصحاب هذه المحاولات خلال العهود المتعاقبة حلّ مشكلة صعوبة تعلّم النّحو وتعليمه حلاّ جذريا؛ وبقيت المشكلة تطرح جيلا بعد جيل إلى غاية وقتناالحاضر. ويمكن حصر أسباب فشل هذه المحاولات قديمها في أمرين اثنين: أمّـا الأوّل، فيتمثّل في الالتباس الحاصل بين المستوى النّظري للنّحو(علم النّحو) وما تتطلبه طبيعته كعلم يقوم أساسا على التجريد والتّعمّـق والتّعقيـد أحيانا، والمستوى التّطبيقي الذي تتمثّل وظيفته في تحويل المعارف

العلميّة المجرّدة إلى معــارف تعليميّة عن طريق تكييفها وفق معايير علميّة وتربويّة خاصّة، لتتناسب مع مستوى المتعلّمين؛  أمّا الأمـر الثّاني فيفسّـره غياب المفهوم الشّامل والدقيق للنّحوو وظيفته في كتب ومحـاولات دعـاة التيسير قديمـا وحديثـا،  ومن ثمّ لم ينظـروا إلى النّحو على أنّه وسيلة لإكـساب المتعلّم  الملكة اللغويّة والتّبليغيّة، باعتبار أنّ النّحو أداء وممارسـة لغويّة تشمـل المستويـات: الصّوتيّة والصّرفيّة والتّركيبيّة والدّلاليّة للـغة العربـيّة. أمّا محاولات التّيسير في العصر الحديث، سواء أكانت فردية أو مؤسساتيّة، لم تعرف بعد طريقـها نحو التّطبيق الفعلي، كما هي تفتقر إلى مجهودات جماعية مشتركة، تستند إلى دراسـات علميّة وميدانـيّة مبنيةعلى فهم د قيـق وعميق لطبيعة اللّـغة العربيّة كلغة معربة لها نظامها النّحـويّ الخاص بها، وباعتـبارها وسيلة اتّـصال وتبليغ مثل باقي اللّغات الإنسانـيّة، ومن ثمّ فإنّ الاستعانة بجهود العلـماء والباحثين المتمثلة في المعطيات التّربويّة والاجتماعية والنّفسية والنتائج العلميّة المتحصّل عليها في ميدان اللسانـيّات بمختلف اتّجاهاتها، لا شكّ أنّ ذلك سيـساهم في إيجـاد الحلول الناجـعة لمشكـلة تعليم النّحو العـربي؛ وهـذا ما نحـاول توضيحه في الفصل المــــــوالي.













(1) حلمي خليل، علم اللغة البينوي، ص 23.
(1)  صالح بلعيد، التراكيب النحويّة وسياقاتها المختلفة عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، الجزائر: 1994، ديوان المطبوعات الجامعية ص72ـ73.
(2)  سيبويه،  الكتاب، الجزء الأول، ص14.
(3) مهدي المخزومي، في النحو العربي نقـد وتوجيه، ط1. بيروت: 1964، المكتبة العصرية، ص22.
(4)  المرجع نفسه، ص23 .
(1) حلمي خليل، العربيّة وعلم اللغة البنيوي،ص41.
(2) الزبيدي أبو بكر محمد بن الحسن الأندلسي، طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم، القاهرة:1973
دار المعارف، ذخائر العرب، ص113.
(3)  مهدي المخزومي،  في النحو العربي نقد وتوجيه، ص24.
(4)  حلمي خليل، العربية وعلم اللغة البينوي، ص45.
(1)  صالح بلعيد، التراكيب النّحوية وسياقتها المختلفة عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، ص76.
(2) ) كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، نزهة الألباء في طبقات الأدباء،تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم   القاهرة :1967،ص390. 
(1)  أبوعثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ، رسائل الجاحظ، الجزء الثاني، قرص مضغوط.
(2)  محمد إبراهيم عبادة،  النّحو التّعليمي في التراث العربي، مصر: منشأة المعارف بالا سكندرية، ص15.
(3)  خلف الأحمر، مقدمة في النحو، دمشق:1961،مديرية إحياء التراث القديم بوزارة الثقافة السورية، ص33/34.
(1)  صالح بلعيد، في قضايا فقه اللغة العربية، ص194.
(2)  محمد إبراهيم عبادة، النّحو التعليمي في التراث العربي، ص27 ـ 28.
(3) تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها،المغرب: د.ت، دار الثقافة، ص16.
(1) تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص18.
(2) صالح بلعيد، التراكيب النحوية وسياقاتها عند الإمام الجرجاني، ص30.
(3)  تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص18.
(1)  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني،ط1. بيروت: 2000 المكتبة العصرية، ص 127.
(2)  المرجع نفسه، ص57.
(*)   التّعلّق غير التّعليق، فالتّعليق إبطال عمل أفعال القلوب لفظا لامحلا، إذا تقدّم النّاسخ على معموليه ووجدفاصل بعده له الصّدارة: ظننت ما فاروق ناجح.
(1) صالح بلعيد، نظريّة النّظم، الجزائر:2001،دارهومه للطّباعة والنّشروالتّوزيع،ص125ـ127ـ128.
(1) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص60.
(2)  المرجع نفسه، ص261.
(1) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص212.
(2)  المرجع نفسه، ص488.
(1) ابن أبي الربيع، البسيط في شرح الجمل، ط1. بيروت : 1986،دا رالغرب الإسلامي،ج1، ص226.
(2) ابن مضاء القرطبي، الردعلى النحاة، تحقيق شوقي ضيف،ط2. القاهرة:1982، دارالمعارف، ص81.
(3) المرجع نفسه، ص 13.
(4)  صالح بلعيد، في قضايا فقه اللغة العربية، ص198.
(1)  سامي الرباع " اللغة العربية بين التجديد والتقليد " محاضرة ألقيت بجامعة الكويت في 8/12/1987. 
(2)  إبراهيم مصطفى، إحياء النّحو،القاهرة: 1937، مطبعة لجنة التأليف والتّرجمة والنشر، ص1ـ7.
(1)  مهدي المخزومي، في النحو العربي(نقد وتوجيه) ص27 .
(2)  المرجع نفسه، ص15ـ16.
(3) انظر مقدمة كتاب الرد على النّحاة،ص48ـ49.
(4)  صالح بلعيد، في قضايا فقه اللغة العربيّة،ص202.
(5)  مجمع اللغة العربيّة بمصر، مجموعة القرارات العلميّة في خمسين عاما، القاهرة1984 : الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، ص279ـ299.
((1) اتّحاد المجامع اللغويةالعلميةالعربيّة "تيسير تعليم اللغة العربية" سجل ندوة بالجزائر1976، ص136.  
(1) اتّحاد المجامع اللغويةالعلميةالعربيّة " ندوة تيسير تعليم اللغة العربية" سجل ندوة الجزائر197